العيني
102
عمدة القاري
عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنهم ، والعبد مكبر في الابن والأب معا ، وهو تابعي ثقة سمي باسم أبيه وكني بكنيته . قوله : ( أنه أخبره ) صريح في أن عبد الرحمن بن القاسم روى عن عبد الله المذكور ، وروى الإسماعيلي عن مالك عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه عن عبد الله ، وكذا رواه ابن نافع والأكثرون عن القعنبي ، فقالوا : عن أبيه ، وعلم من رواية عبد الله بن مسلمة أن عبد الرحمن سمعه عن أبيه عن عبد الله ، ثم لقي عبد الله وسمعه منه بلا واسطة ، أو يكون عبد الرحمن سمعه من عبد الله وأبوه معه . ذكر من أخرجه غيره : أخرجه أبو داود أيضا في الصلاة عن القعنبي وعن عبيد الله بن معاذ وعن عثمان بن أبي شيبة وعن هناد بن السري . وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة عن الليث وعن الربيع بن سليمان . ذكر معناه : قوله : ( إنما سنة الصلاة ) تدل على أن هذا الحديث مسند ، لأن الصحابي إذا قال : سنة ، فإنما يريد سنة النبي صلى الله عليه وسلم . إما بقوله أو بقوله أو بفعل شاهده ، كذا قال ابن التين . قوله : ( وأنا يومئذ ) ، الواو فيه ففحال . قوله : ( أن تنصب ) أي : لا تلصقه بالأرض . قوله : ( ويثني ) أي : يعطف ، لم يبين فيه ما يصنع بعد ثنيها : هل يجلس فوقها أو يتورك ؟ ووقع في ( الموطأ ) : عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد ، فنصب رجله اليمنى وثنى اليسرى وجلس على وركه اليسرى ولم يجلس على قدمه ، ثم قال : أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر ، رضي الله تعالى عنهم ، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك ، فظهر من رواية القاسم الإجمال الذي في رواية ابنه ، وروى النسائي من طريق عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد : أن القاسم حدثه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال : من سنة الصلاة أن تنصب اليمنى وتجلس على اليسرى . قوله : ( تفعل ذلك ) أي : التربع . قوله : ( إن رجلي ) كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية حكاها ابن التين : ( إن رجلاي ) ووجه هذه بوجهين : أحدهما : أن تكون : إن ، بمعنى : نعم إفعل ذلك ، ويكون حرف جواب ، وقد ورد ذلك في كلام العرب نظما ونثرا ، أما النظم ففي قوله : * ويقلن شيب قد علاك * وقد كبرت فقلت : إنه * وأما النثر ، فقد قال عبد الله بن الزبير لمن قال : لعن الله ناقة حملتني إليك : إن وراكبها ، أي : نعم ولعن راكبها . والوجه الثاني : أن يكون على لغة بني الحارث ، فإنهم لا ينصبون بأن اسمها ، وعليه قراءة : * ( أن هذان لساحران ) * ( طه : 63 ) . وقال الشاعر : * إن أباها وأبا أباها * قوله : ( لا تحملاني ) روي بتشديد النون وبتخفيفها . ذكر ما يستفاد منه : فيه : أن السنة أن ينصب المصلي رجله اليمنى ويثني اليسرى . وقد اختلفوا في صفة الجلوس في الصلاة ، فذهب يحيى بن سعيد الأنصاري والقاسم بن محمد وعبد الرحمن بن القاسم ومالك إلى : أن المصلي ينصب رجله اليمنى ويثني رجله اليسرى ، ويقعد بالأرض في القعدة الأولى وفي الأخيرة ، وهذا هو التورك الذي ينقل عن مالك . وفي ( الجواهر ) : المستحب في الجلوس كله الأول والأخير وبين السجدتين أن يكون توركا . وفي ( التمهيد ) : المرأة والرجل سواء في ذلك عند مالك ، وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى : أن المصلي يفعل في القعود الأول مثل ما ذكرنا الآن ، وإن كان في القعود الثاني يقعد على رجله اليسرى وينصب اليمنى . وقال أبو عمر : قال الشافعي : إذا قعد في الرابعة أماط رجليه جميعا فأخرجهما عن وركه الأيمن وأفضى بمقعدته إلى الأرض ، واضجع اليسرى ونصب اليمنى في القعدة الأولى . وقال أحمد مثل قول الشافعي ، إلاّ في الجلوس في الصبح ، فإن عنده كالجلوس في ثنتين ، وهو قول داوود . وقال الطبري : إن فعل هذا فحسن ، وإن فعل هذا فحسن ، لأن ذلك كله قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال النووي : الجلسات عند الشافعي أربع : الجلوس بين السجدتين ، وجلسة الاستراحة عقيب كل ركعة يعقبها قيام ، والجلسة للتشهد الأول ، والجلسة للتشهد الأخير ، فالجميع يسن مفترشا إلاّ الأخيرة . فلو كان مسبوقا وجلس إمامه في آخر الصلاة متوركا جلس المسبوق مفترشا في تشهده ، فإذا سجد سجدتي السهو تورك ثم سلم انتهى . وعندنا : السنة أن يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى نصبا في القعدتين جميعا ، وبه قال الثوري ، واستدلوا بحديث عائشة في ( صحيح مسلم ) قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة . . ) إلى أن قالت : ( وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى . . ) الحديث . وأما جلوس المرأة فهو التورك عندنا ، وقال النووي : وجلوس المرأة كجلوس الرجل ، وحكى القاضي عياض عن بعض السلف : أن سنة المرأة التربع ، وعن بعضهم : التربع في النافلة ، وقال أبو عمر : اختلفوا في التربع في النافلة وفي الفريضة للمريض ، فأما الصحيح فلا يجوز له التربع في الفريضة